السبت، 4 أغسطس 2012

فتاوى بلا نصوص!


مرة أخرى يعود التلفزيون إلى إثارة الفتاوى واستفزازها ... مسلسل عمر بن الخطاب الذي اتخذت بعض القنوات قرار عرضه, فيما امتنعت قنوات أخرى امتثالا لفتوى الأزهر ... يثير شهية الجدل بدوره بين فتوى النص وفتوى الواقع ...
التاريخ القديم والحديث لفتاوى الفقهاء إزاء ما يستجد في الواقع ويفتقر للنص الصريح, يذكرنا بتحريم التنقيب على النفط في الجزيرة العربية, بحجة أن العمال المنقبين إنجليز كفار, وفتوى تحريم القهوة في بداية ظهورها ببلاد العرب والمسلمين, إلى درجة جلد من يحتسيها ... وفتوى تحريم الطماطم في سوريا بحجة أن السلف لم يعرفها من قبل ... ومع مرور الزمن تحولت هذه الأشياء إلى مباحات ... لا يصدق أحد أنها كانت محرمة في يوم من الأيام ...
فتاوى التحريم في غياب النص الشرعي, تؤكد في كل مرة صعوبة تعامل فقهائنا مع القاعدة الشرعية: "الأصل في الأمور الإباحة" ... ويبقى العامة يستفتون قلوبهم أمام اختلاف العلماء في المسائل الاجتهادية ... فهل ستشاهد المسلسل خلال رمضان أم ستمتنع؟

الأقلية الصاخبة


مشكلة الأغلبية أنها صامتة أمام صخب الأقلية, وأنها لا تقيم لنفسها حجة أمام حجج الأقلية الواهية ... فإذا كان المسلمون في أغلب دولهم يختارون الاتجاه الإسلامي عن قناعة وعن فطرة, ولا يجدون في أنفسهم حرجا أو حاجة للدفاع عن خيارهم ... فإن الأقلية في هذه المجتمعات تشترك في أنها تملك زمام القيادة وزمام المنطق ... منطقها هي ... الذي تفرضه على الأغلبية, وتجد له سندا "معرفيا" ومرجعية "علمية" عنيدة أمام كل حجة ... ذلك أنها حين تولد, توجد معها آليات بقائها, وتوجد معها سلطة البقاء ...
فرجال الدعوة كلهم متهمون في نواياهم, رجعيون, وأفكارهم البعيدة عن التنوير لا تحمل إلا الظلامية ,,, لا لشيء إلا لأنهم لا يملكون سلطة البقاء تلك, وآلياتها بعيدة عن ايديهم ... فأنت لا تجد من ينتقد ماركس أو نيتشه أو روسو أو غاندي مثلما تجد من يهاجم حسن البنا أو سيد قطب أو الشيخ كشك ... فهؤلاء وصوليون يبحثون عن التميز, ويستغلون الدين ليفتنوا عقول الناس!...
لذلك تجد عقول الأقلية تناقشك باسم العقل في الملائكة وعذاب القبر والرؤيا الصادقة ... وحتى أركان الإسلام ... وإذا استنكرت أو استهجنت فأنت ضيق الأفق معاد لحرية الفكر ...
لذا فإنه لا حجة لك في ميزانهم ... ولا سلطة لعقلك في دولتهم ... ولن تسلم من القذى حتى وإن لذت بالصمت ...

سكرتيرة ...!


إن المطلع على أسلوب الإعلانات الجديد في المواقع الجزائرية يفاجأ للوقاحة التي لا تكلف نفسها أن تتستر بأي ستار ولا حجة, ولا أن تختار لنفسها تعبيرا أنظف! ...
افتح أحد المواقع وحاول الاطلاع على شروط توظيف المرأة في الجزائر ... فمدير إحدى وكالات الإعلانات يطلب سكرتيرة جميلة, مشيقة القوام وممتلئة الجسم!!
ومؤسسة أخرى ترسل إلى مرشحاتها للوظيفة استمارة تحدد فيها المعنية بالأمر, أهم ميزة "أنثوية" فيها! ...
يبدو أننا تجاوزنا زمن العبارات الرسمية, مثل: مقبولة الشكل, أنيقة, ... إلى العبارات التي تنم دون مواربة عن نوايا أصحابها, وعن نظرتهم "المهنية" الحقيقية لمهام السكرتيرة ...
فماذا يريد ذلك المدير من سكرتيرة ... ممتلئة الجسم؟ وما دور المزايا الأنثوية في وظيفة مهندسة معمارية؟
يبدو أننا فعلا نتطور في نظرتنا تجاه المرأة ... وأن كل ما تفعله كثير من النساء لإثبات أنفسهن, إنما يصب في عقلية الكثيرين في إطار إثبات انوثتها ... 

متى تعود مصر إلى البيت؟


عام ونصف ومصر رابضة في الشارع بين ميدان التحرير والشوارع الرئيسية الأخرى ... عام ونصف ومصر الثورة واقفة على قدم وساق متوجسة من العسكري والإخواني ... عام ونصف ومصر تراوح الخطى بين الثوري والبلطجي ...
وبعد عام ونصف ... انقسمت مصر إلى نصفين, بين ثورة التغيير والثورة المضادة ... فرغم كل شيء لا يمكننا ان نتجاهل نصفها الذي صوت لأحمد شفيق ... فإذا كان هذا الأخير محسوبا على الفلول, فهل بات نصف مصر من الفلول؟ ...
الرئيس الجديد لن يكون في كل الأحوال نصف رئيس ... ولا يمكنه ان يكون رئيس النصف ... هو رئيس مصر الجديدة, الذي خرج من مخاض مصر الديموقراطية ... ورغم انه سيجد نفسه واقفا على عتبة رئاسة دون دستور وبرلمان منحل, إلا أن ذلك سيكون جزءا من تركته التي حصل عليها ... تركة فيها الكثير من القضايا العالقة والدماء المرهونة ...
فهل سيتمكن الرئيس من إعادة مصر إلى البيت؟ وهل سيعيد المصري إلى حالة البناء الذي بقي متوقفا عاما ونصف؟ 
نشر في ماي 2012

أمين الكتاب


لعل العمل على رأس مكتبة مهمة كالمكتبة الوطنية يؤثر على أبسط سلوك تجاه الكتاب لدى أحدهم ... لكن أن يكون ذاك التأثير سلبيا, فهو ما لا يمكنك أن تتوقعه ...
ولعل المرء حين يعيش مع الكتاب قارئا وكاتبا, يتأثر سلوكه تجاهه بطريقة ما ... لكن أن يشوب هذا السلوك مسحة إهمال مقصودة أم غير مقصودة, فهذا ما لم نكن نتوقعه من الكاتب الجزائري الكبير أمين الزاوي, في برنامجه فهارس, وهو يعرض إصدارات جديدة لكومة من الكتب ... أقول كومة ... لأنه راح كلما عرض واحدا رماه على الأرض بجانبه, حتى استحالت المجموعة إلى كومة متراكمة عند قدميه!
تصرف كهذا يفسر حالة الكتاب والقراءة في المجتمع الجزائري حتى عند النخبة ... وتفسر ذلك التراكم المعرفي غير المجدي الذي نعاني منه ... ليصبح خير جليس يتمسح على أقدام النخبة ... فكيف لا يدوس عليه العوام؟

حلاوة النصر


هذه الأيام رغم كل شيء تسطر صفحات جديدة في تاريخ مصر ... وتعلن دون أي مواربة أو شك أن الثورة انتصرت, وأن دم شهدائها لم يضع هدرا ... هي الثورة حين تؤتي أكل التغيير ... أيا كان هذا التغيير ... الثورة المصرية أثبتت أن هناك يدا عليا حمتها من تلاعبات النظام السابق, ومحاولاته المستميتة أن يقلب الوضاع لصالحه ... هناك فعلا يد عليا قلبت الثورة المضادة على أصحابها.
ومع ذلك يبقى الأمل في أول تجربة ديموقراطية لانتخاب الرئيس ... أمامه عهدة عليه أن يثبت أن أحلام المكسورين يمكن تتحقق رغم أنف الباطل ... وأن الباطل هذه المرة سيمشي قليلا على قدميه منحنيا حاملا على ظهره الحق بعد طول عناء ونضال ...
لا يهم حتى لو نعقت البوم هنا وهناك, لتغلف النصر الصغير بمسحة تشاؤم كريهة, وتبلل طعم حلاوته بمرارة المغرضين ... الثورة انتصرت ... ولا يمكن لأحد أن يفند هذا ... ويحق للمصريين أن يحتفلوا بدموع الفرح النازفة من عيون الثكالى ... فقد أثلجت الصدور ...

صفر!



قبل بضع سنوات, فوجئنا بخبر غياب جامعاتنا الوطنية عن المراتب الألف العالمية ... وتساءلنا كيف تكون جامعة موريتانية أفضل علميا من أي جامعة جزائرية نتفاخر بها!
وتجاهلنا الحالة المزرية للتعليم في مدارسنا بكافة أطوارها ... وكيف يتخبط التلاميذ في العشوائية البرامجية إلى درجة لجوء الأولياء للدروس الخصوصية منذ السنة الأولى ... وتجاهلنا حالة الفراغ الموجودة بين التعليم والواقع, فالبحوث العلمية في واد والواقع الاقتصادي والاجتماعي في واد آخر ...
لكن الصفعة جاءت من جهة أخرى ... حين رفع خبير صندوق النقد الدولي بطاقة الصفر في وجه البنوك الجزائرية العتيدة ... فهي متخمة بالسيولة المالية, لكن قدرتها الاستثمارية ضعيفة ... العملة تملأ أقبيتها, لكن الشعب جائع ... وكأن لسان حال الخبير يقول: يا مدراء البنوك, أليس فيكم رجل رشيد؟
هذا الصفر, في الحقيقة, جاء ليفتح عيوننا أكثر على الرداءة التي لازالت تتصدر المناصب عن طريق المحاباة والمحسوبية, وعلى غياب التخطيط الناجع في مختلف القطاعات ... لكل داء دواء, إلا الرداءة فعلاجها البتر!

حكمة الأذان ...


الحلول التي ننتهجها لمعالجة مشاكلنا يجب أن تنبع دائما من صميم تركيبتنا الثقافية والاجتماعية وحتى البيئية, وإلا فإنها لن تؤدي دورها المطلوب ولن تكون ناجعة على المدى الطويل ...
وقد أعجبني تحليل مالك بن نبي لأبعاد اختيار المسلمين الصوت البشري للأذان, وعزوفهم عن تقليد الحضارات المحيطة بهم في أسلوبها للإعلان عن الصلاة. إذ يقول لم يختاروا الناقوس أو الجرس لأن الجزيرة العربية كانت تفتقر لمعدن الحديد, كما أن صناعة الأجراس لم تكن معروفة عندهم ...
فاختاروا الصوت البشري ... وهو اختيار يوافق طبيعة المجتمع العربي آنذاك, المجبول على طرب الكلمة وإنشاد الشعر ... فالعربي كان يجل الخطاب, ويلتفت إلى الصوت البشري المنشد أكثر من أي صوت آخر ... تربى في سكون الصحراء على عشق الأصوات الطبيعية, لأنها تلامس روحه وتتلبس بشغاف قلبه ...
ولا يزال الأذان إلى الآن مدويا على سطح الكرة الرضية كأقدم صوت بشري ... لكننا لم نتعلم منه أن نبتكر أفكارا تناسب مقاسنا الثقافي والاجتماعي, أفكارا تخلد في وجه الزمن دون أن تبلى ... 

روجيه غارودي


حين أوشك القرن أن يلتف حول سني عمره, رحل الفيلسوف الفرنسي المسلم روجيه غارودي بصمت ... رحيله الصامت, لم يعكس أبدا حياته الفكرية والنضالية الصاخبة ... رجل وقف في وجه حكومة فيشي وحارب الاحتلال النازي بنفس الحدة التي رفض فيها الاستعمار الفرنسي للجزائر ... رجل لا يحب الأكاذيب التي تلتف حول التاريخ لتنسج قضايا زائفة ... فضح كذبة المحرقة النازية, فقامت الدنيا عليه في فرنسا وأروبا كلها, ليثبت بمحاكمته أن حرية التعبير التي يرفع الغرب رايتها, مجرد خرقة بالية أبلتها الأوهام ...
وحين أشهر إسلامه ... وجد أعداؤه فرصة ذهبية ليوجهوا إليه سهامهم اللاذعة, ليثبتوا أن ظلاميتهم أحلك من تلك التي ينسبونها إلى دينه الجديد ...
ثلاثون سنة على إسلامه, ولا زال صوته المجلجل في المركز الإسلامي السويسري سنة 1982, بعد أن أشهر إسلامه, حين قال إنه «...عاش حتى تلك اللحظة يبحث عن معنى معين للحياة فلم يجده إلا في الإسلام، وإنه وجد أن الحضارة الغربية قد بنيت على فهم خاطئ للإنسان..»
ذاك هو روجيه غارودي ... الرجل الذي عاش قبل إسلامه وبعده يحارب المفاهيم الخاطئة, ويفضح الألسنة الزائفة ...

الاثنين، 18 يونيو 2012

المصريون والحجاج


هل تصدق مقالة الحجاج بن يوسف عن المصريين في وصيته لطارق بن عمرو؟ فقد قال حين صنف العرب: لو ولاك أمير المؤمنين أمر مصر فعليك بالعدل, فهم قتلة الظلمة وهادمي الأمم وما أتى عليهم قادم بخير إلا التقموه, كما تلتقم الأم رضيعها وما أتى عليهم قادم بشر إلا أكلوه كما تأكل النار أجف الحطب, وهم أهل قوة وصبر وجلدة وحمل ... ولا يغرنك صبرهم ولا تستضعف قوتهم, فهم إن قاموا لنصرة رجل ما تركوه إلا والتاج على رأسه, فاتق غضبهم ولا تشعل نارا لا يطفئها إلا خالقهم. فانتصر بهم فهم خير أجناد الارض واتق فيهم ثلاثا:
1- نسائهم فلا تقربهم بسوء وإلا اكلوك كما تأكل الاسود فرائسها
2- أرضهم وإلا حاربتك صخور جبالهم
3- دينهم وإلا أحرقوا عليك دنياك
وهم صخرة في جبل كبرياء الله تتحطم عليها أحلام أعدائهم وأعداء الله.
هل سيصدق فيهم الحجاج؟ هل سيثبت المصريون للعالم أنهم أحسنوا الاختيار.

خوف أم!


أهل مكة لا يجوعون ولا يخافون, هذا ما قررته الآية من سورة قريش: "فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف". هاتان النعمتان لا يشعر بقيمتهما إلا من فقدهما ... فقد اقترنت مناطق كثيرة في إفريقيا بالمجاعة والحروب الأهلية ... أمران أحلاهما مر! فإذا لم تقتلك نيران طائشة, تقتلك المجاعة بعد أسابيع من العذاب والمرض ...
أذكر هذا حين أشعر أن خللا ما في المنظومة الأمنية, قد تهزه مجرد عملية اختطاف لطفل صغير ... حادثة تؤكد لنا أن مثل هذا القلق لن يزايلنا على فلذات أكبادنا ... هل يمكن أن نطمئن عليهم وهم يلعبون قرب المنزل؟ هل يمكن أن أثق في جار أو قريب يكون هو المتهم في نهاية الأمر ... الحوادث في الجرائد وتفاصيلها في مثل هذه القصص المرعبة تسرقك من كل لحظة أمان تتوهمها قلوبنا, وتجعلنا نخاف الغفوة والسهوة ...
من يعيد الأمان إلى عيوننا؟ من يسلخ الخوف عن صدورنا الثقيلة؟ من يطمئن الأمهات؟ من يداوي جرح الثكالى؟ 

دعوة الكرة!


أشياء كثيرة تحدث من حولنا, تقف شاخصة أمامنا, تصفعنا بتحديها, تصم آذاننا بصخبها, لكننا لا نتعظ ولا نتعلم ...
الأفراح التي سلبها التاريخ منا ... والأحلام الحقيقية التي مزقتها أجيال من الفشل ... جعلتنا نركض خلف أحلام زائفة ... ونفتش عن فرحة مؤقتة في مزبلة اللاجدوى ... فاخترعنا بهجة الجلد المنفوخ بين الأقدام ... وصيرناها رمزا وطنيا ومجدا ثوريا يلهب الحماسة الخابية, ويشعل الحمية المكتومة ...
لم يعد هناك شيء يسعدنا إلا هدف ناري في الشباك ... ولم يعد من شيء يجمع الإخوة أو يفرق أبناء العمومة أكثر من مباراة في الدوري ... وصدق الشاعر المصري الساخر هشام الجخ حين قال: فهل تجمعنا يد الله وتفرقنا يد الفيفا؟
واستحالت فرحة الناس بالكأس تضاهي فرحتهم باستعادة الفردوس المفقود ... واستحالت خيبتهم لضياع البطولة تفوق خيبتهم لفقد القدس!
صارت الكرة كل عرضنا وكل شرفنا ... وحين فقد العربي في ميادين المعارك, وجد المستعرب في الملاعب يمارس كل طقوسه الدينية راكعا وساجدا ومعتكفا ... ومن يدري, لعل ما فشل فيه الدعاة سينجح فيه اللاعبون ... 

في انتظار فكرة!


صحيح أن إسحاق نيوتن كان جالسا تحت شجرة تفاح حين خطر بباله قانون الجاذبية بمجرد سقوط التفاحة على رأسه ... لكن ليست كل الأفكار الثورية تأتي بهذه السهولة, وهي لا تسعى إلى صاحبها وهو متكئ يستظل بعجزه ... فالأفكار الرائدة تنجذب إلى كل من يبحث عنها ...
لذلك ينصح خبراء التنمية البشرية بضرورة أن يأخذ المرء وقته في البحث عن الفكرة الجديدة, ويسجلها, لعلها تكون صالحة للتطبيق ...
ولعل في طريقة الكاتب أنطون تشيكوف أسوة للكثيرين, فقد كان في بداياته يشتري أفكارا جديدة لقصصه القصيرة ممن يعرفهم, ثم يقوم بصياغتها بأسلوبه الساخر المعروف ...
وتجارة الأفكار ليست عيبا, مادامت تحقق لك حلما أو بداية حلم ... المهم ألا تقعد عاطلا في انتظار الفكرة التي ستغير من حالك ...

قلم طيار


ولعي بالأدب الكلاسيكي, قد يجعل حكمي على كتابه مشوبا بالمبالغة ... فالكتابة بالنسبة لي ليست ترفا ولا نزهة قلم على ورق ... هي الإنجاز الإنساني في أبهى حلله ... لذا لطالما اعتقدت أن الكاتب لا يمكن أن يعاني من انفصام الشخصية رغم أنه يتعامل مع شخصيات وحالات متعددة ...
ويحضرني كاتب أثر في كثيرا هو الفرنسي الطيار أنطوان دي سانت أكسبري ... فقد كان إلى جانب موهبته في الكتابة العميقة, من أوائل الطيارين التجريبيين الذين جازفوا بأنفسهم لفتح الملاحة الجوية أمام الطيران البريدي والتجاري ... وشعوره بأهمية هذه التجربة ودوره ودور رفاقه فيها, كتب عنها كثيرا بقلم يقطر دمعا وعرقا ... قلم انفصل عن المصطلحات التقنية والآلة ليتلبس حلة وجدانية تثير الدهشة وتجذبك إلى كل حرف: الطيران بالليل, أرض الرجال ... والأمير الصغير ... ولم يكن يدري وهو يكتب عن مآسي رفاقه الذين ضاعوا بين الغيوم ... أنه يسطر مأساته هو حين اختفى بطائرته دون عودة ...

عطلة أم عطالة؟


كثيرون منا يعتقدون أن عطلة الصيف يجب أن تكون للراحة التامة, انتقاما من عام طويل من العمل والجهد ... فهي الفترة التي نوقف فيها عادة تشغيل طاقات عقولنا, فنعطل ملكة الابداع والانتاج ...
هذه العطلة, يفضل فيها الكثيرون أن يفصلوا أنفسهم عن مصادر الطاقة التي كانت تحركهم, ويستسلمون معها للعطالة التامة والخمول الكامل ... وهذا للأسف مفهوم مغلوط عن الراحة ... واستغلال قاصر لفرصة لا تأتي إلا مرة في السنة ... فليست العطلة مرحلة انعدام للنشاط بل هي مرحلة تجديد له ... هذا التجديد هو الذي يحول بيننا وبين ذلك الإحساس بالخمول والملل مع كل دخول اجتماعي ..
العطلة فرصة لتحقق فيها ما تريد, بعيدا عن الإملاءات التي كنت تخضع لها في العمل أو المدرسة.
لهذا يعتبر التخطيط لأنشطة العطلة أمرا ضروريا وأساسيا ... تخطيط للفراغ الذي سوف نحاسب عليه ... فمن المؤسف أن تمضي الأشهر القادمة دون أن تقرأ كتابا أو تحفظ سورة أو تتعلم مهارة جديدة ومفيدة ...
عشية العطلة, علينا كلنا أن نستوقف أنفسنا ونخطط لكيفية استغلال الوقت الطويل والممتد أمامنا, قبل أن ينقضي, ونأسف على ضياعه ... 

الأحد، 10 يونيو 2012

مسخرة



من أكثر الأشياء سخرية ومسخرة أن يعلم الذئب قطعان الخراف كيف تنجو من الافتراس ... ان يعلم اللص أهل بيت كيف يؤمنون منزلهم ... أن يدل السجان سجينه على باب الخروج ... وأن يلقن أحمد شفيق رئيس وزراء مبارك سابقا  خصومه اصول الخلاف وآليات الممارسة الديمقراطية ... أن يعلن بشار الحرب على الإرهاب الأعمى ونصف المجازر يرتكبها شبيحته ... أن يشتكي الصهاينة من حجارة أطفال غزة ... ان يتذمر التجار من غلاء الأسعار والمستهلك صامت على مضض ... أن يسخط الإداريون من قلة  صبر المواطن على بيروقراطيتهم ... أن يشتكي عمال النظافة حين لا يزورون الحي إلا مرة في الأسبوع من تراكم القمامة ... أن تشتكي الأحذية من كثرة الصراصير ... وأن أنهي مقالتي خالية من أي تعبير ...

القيم ... وعوامل التعرية


يمكن أن يثار جدل كبير حول القيم نفسها, هل هناك خط فاصل يدل عليها؟ هل هناك مفهوم واحد يحددها؟ هل يمكن أن تتغير نظرة مجتمع إلى قيمة ما, بحيث ما يكون محرما ومستهجنا في زمن ما يصبح مباحا ومطلوبا في زمن آخر؟
أقول هذا من واقع تجربتي مع جيلي, ومع الأجيال الحديثة التي احتككت بها حين كنت أدرس في مرحلة ما ... وأغرب ما يمكن أن تكتشفه, يحدث دائما مع تلاميذ الإعدادية ...
كان هناك تلميذ, أحسبه من الجادين الخلوقين, وكان قد اقترب مني كثيرا لدرجة مصارحتي بما يجول في خاطره, وما يعتلج في نفسه, ربما لأنه كان قد فقد أمه حديثا (رحمها الله). وكان أن أخبرني ذات مرة أن له "صديقة" في المدرسة يبادلها عواطف خاصة ... تجاوزت دهشتي لصراحته ... وتجاوزت كل نصائح "الكليشيه" في معالجة مثل هذه المواقف, وقررت أن أسأله: "هل تعتقد أن علاقتك بها صواب أم خطأ؟", فأجاب بعفوية: "بالتأكيد صواب ...", فقلت في نفسي: لأجل هذا هو لا يخفي الأمر ولا يتحرج من ذكره ... فهذا الفتى وبطريقة ما لم تصله أي رسالة من العرف الاجتماعي على الأقل ... ثم قررت أن ألتف حول الموضوع بطريقة أخرى, فقلت له: لا أعتقد أن أخاها إذا رآكما معا في الشارع سيعجبه ذلك ... فأجاب بلا تردد: ولِمَ لا؟ أنا على استعداد لمناقشته في الأمر!!!
لا بد أنه تعجب من تعابير وجهي حينها أكثر من عجبي لجوابه ... الفضائي ذاك ... وبعد مناقشة قصيرة أدركت أن الفتى يجد دعما من أفراد أسرته في هذه المسألة ... بدءا من جدته إلى أخته الكبرى التي تكللت علاقتها السابقة بالزواج!!!..
هنالك عرفت أن أشياء كثيرة تتغير في مجتمعنا ... ليست التكنولوجيا وحدها ... وأن القيم لا تتمتع بنفس الحصانة التي كنا نخالها لها ... وأنها عرضة لعوامل التعرية والنحت, تماما كالتضاريس!!!..

ربيع فلسطيني


انشغال الشعوب العربية بربيعها, داميا أو عاصفا, كان نقمة على التنمية المحلية ... ولكن التطلع إلى مستقبل واعد ... يجعل الجميع يتحلى بالصبر ... وينتظر ...
لكن نقمة الربيع لم تقتصر على أهل كل مصر ... ولم تكتف بأهلها ... بل امتدت إلى الفلسطينيين الذين لم يعد لهم ملف على الطاولات العربية ... ولم يعد هناك من يناقش تفاصيلهم سوى مجلس الوزراء الإسرائيلي ...
ولعل الحل الوحيد الذي بقي أمامهم هو أن يحل عليهم ربيع يطيح بإسرائيل ... ويوقف مخططات الاستيطان والتهويد والترحيل ...
من العجيب أن يكون لبراعم الربيع صخب يطغى على صوت الغارات النازلة على رؤوس أهل غزة ... فلا يثير انتباه أحد ... ولا يستثير امتعاضه صلف المستوطن ودقات منقب تحت أساس الأقصى ...
مادام الربيع قد صار أكثر دويا من كل هذا, فالفلسطينيون بحاجة فعلا لربيع فلسطيني ...

مصر ... أم الدراما


مصر أم الدنيا هي أم المفاجآت الآن ... فبعد صعود الفريق أحمد شفيق غير المتوقع ... يأتي النطق بالحكم في قضية مبارك ونجليه وزبانيته ليثير المفاجأة الكبرى ... حكم البراءة كان صفعة مؤلمة في وجه الثورة الفتية التي لم تقطف بعد ثمارها ... ليتأكد لنا بما لا يدع مجالا للشك أن مصر أولا وأخيرا هي ... أم الدراما ...
فما حدث وما يحدث يؤكد أن ما كان يسمى فلول النظام لا يزالون فاعلين ... ولا يزالون يملكون السلطة على تحريك الأحداث وتغيير المعطيات لتصب في صالح النظام السابق ...
بل وأنكى من ذلك أن النظام السابق لم يعد سابقا ... لأنه ببساطة وبقرار محكمة, لم يعد له سوابق ... وتماما كما يحدث في سيناريوهات الأفلام ... تتم تبرئة المتهم بسبب انعدام الأدلة ... أدلة كان العالم كله شاهدا عليها ... وقد سجلتها الكاميرات ونقلتها الفضائيات ... لكن القضاء المصري عميَ عليها ... وخرج المعلم الكبير منها كما تخرج الشعرة من العجين ... وسيتمختر في أزقة الحارة وسط زفة صبيانه ... موزعا الشربات على الغلابة ... ويطلع الجنيريك في مشهد ليس غريبا على أمة تمارس السينما منذ أكثر من قرن ...

بين الباز وجمعة ...


لقد اهتزت الأوساط الفكرية والإعلامية للفكرة التي أطلقها الدكتور فاروق الباز من دبي في إحدى الندوات ... رغم ما حملته من سداد في الطرح وواقعية في التحليل وصدق في التعبير عن نظرة رجل مخضرم إلى إنجازات جيله والجيل الذي بعده ...
فقد اعترف أنه ينتمي إلى جيل الفشل ... وهو الجيل الذي رفع مبادئ وأهدافا كثيرة تردد صداها منذ الخمسينيات, كالوحدة العربية والقومية وتحرير فلسطين من العدو الصهيوني ... لكنه فشل في تحقيق أي منها فشلا ذريعا ... وبقيت شعاراته مجرد نياشين لا يستحقها علقت على صدره لتذكره بإخفاقه الكبير ...
أما الجيل الحالي فهو -كما قال- جيل الكسل ... جيل عجز عن أن يضع لنفسه أهدافا تنهض به ... واكتفى بأن يرث أهداف الجيل الذي سبقه, وحمل معها الفشل الذي اقترن بها أيضا ... وعجز بذلك عن أن يصنع من الليمونة الحامضة عصيرا حلوا ...
جيل لم يدرك مفتي الديار المصرية علي جمعة في إحدى خطب الجمعة مؤخرا أنه يعبر عنه, حين رفع يديه داعيا, والناس حوله يؤمنون: "اللهم حرر لنا القدس وأعدها إلينا ..."!! دعاء حين سمعته لم يطاوعني لساني أن أأمن عليه ... لأنه ـ بكل ما يحمله من عجز وتواكلية ـ لن يستطيع أن يجعل أبواب السماء تفتّح له ...