الأربعاء، 11 أبريل 2012

فلسطين والقضية


مسائل كثيرة إذا فقدت صفتها الرئيسية أفرغت من محتواها, وصارت مجردة جوفاء لا طعم لها ... والقضية الفلسطينية التي تهتز لها قلوب مليار مسلم إذا فقدت توصيفها الإسلامي, فلن تعود قضية ...
وحتى عندما يراد لها أن تفرغ من محتواها كمقاومة, فلن تعود قضية ...
لهذا كانوا دائما ولا يزالون يضعوننا أمام خيار "أهبل": هل أنت مع السلطة الفلسطينية أم مع حماس؟ هل أنت مع المقاومة أم مع رفع الحصار على غزة؟ وكأن معاناة الفلسطينيين ازدادت عيارا حين اختاروا حماس ... والحقيقة أن ما اختلف في معاناتهم هو أنهم تمكنوا أخيرا من ضبط بوصلتهم نحو وجهتهم التي اتخذوها منذ عام النكبة: المقاومة ... فخيارات التسوية السياسية أثبتت منذ عشرين سنة عدم فعاليتها, ما دامت هناك مستوطنات تنبت كالبقل, ولاجئون لم يعودوا من الشتات, وهيكلا مزعوما يدك أساسات الأقصى ...
إذا كانت أرض الميعاد قضية قامت على أسس صهيونية, فالقضية الفلسطينية لن يستقيم عودها إن تخلت على إسلاميتها, لأنها حينها ستتخلى عن خيار المقاومة ...

أرض وسماء


طرائف العجز التي نحب أن نفسرها على هوانا, تخبرنا دائما بأشياء تختلف عن قراءتنا الصماء لها.
حكاية السائح الذي زار بلدا إسلاميا والتقى رجلا من أهلها, فراح يلومه على تخلفه وأهله وبلاده ويتباهي أمامه بما حققته الحضارة الغربية التي صنعها هو وبنو جلدته ... فما كان جواب ذاك الرجل إلا أن قال في يقين (أو في سذاجة, حسب قراءتك للطرفة): لكم الأرض ولنا السماء ... فبهت السائح ولم يحر جوابا ... ا هـ
لهم الأرض ولنا السماء ... كلمة عزاء لمن لا عزاء لهم ... هم نجحوا وشيدوا وابتكروا وطوروا ذواتهم ففازوا بالأرض ... ونحن هزمنا, وتجرعنا الهزيمة, ثم استسغنا طعمها وتعودنا عليه, ووقفنا نطلق زفرات على قرون لم نعشها ... تخلينا عن الأمانة التي حمّلناها ... رضينا بالأقدام على رؤوسنا ... وبالخزي على جباهنا ... ثم بعد هذا نطمع أن ننال السماء ... بالله عليكم على من نضحك؟
نريد السماء ... ونحن المطالبون قبل ذلك بخلافة الأرض ... من رب السماء ...
نسينا أنه كي نكون من أهل السماء, علينا أن نتعلم كيف نرفع رؤوسنا إليها ... 

قلمي والشام



في كل مرة نكتب فيها عن مدينة, فإننا نكتب عن كيان حي يأخذ أنفاسه من أعماق التاريخ الذي نملكه جميعا ... تاريخ نتمسك به لأنه الشيء الوحيد المزهر في ربيع أيامنا الحاضرة ...
لكننا حين نكتب عن جراحات المدينة, فلأن نزيفها وصل إلى شراييننا ... لتصنع آلامها صدى في قلوبنا ...
أعتذر لأني حين أكتب عن مدينة عربية, يلف الحزن سطوري ويخنق كلماتي ... فقد دأبنا على الكتابة عن مدن سقطت أو آيلة للسقوط ...
هذه المرة ... دمشق ... عاصمة الأمويين ... الشام التي اشتقت اسمها من الشموخ والعزة ... ونقش الإباء اسمه على أبوابها ... ودمشق التي ظلت الكرامة, لقرون, تعبق مع عطور الياسمين تضمخ جدران حاراتها ...
لا أدري أية جريرة تدفع ثمنها هذه المدينة التي دفن تحت ترابها وعد بمسيرة أجناد الحق؟  لعلها تدفع ثمن أخطائنا كلنا ... من المحيط إلى الخليج ... ولعله ثمن باهض دفعته مدن عربية كثيرة ... وسيأتي الدور على مدن غفل أهلها عن الحمل على ظهورهم ... ظهور أداروها من قبل لإخوانهم ... لأن النار أخطأت بيوتهم ...

غزة مازالت في الظلام


الضجيج الذي خف عن غزة وأهلها منذ أكثر من عام ونصف, لحاجة في نفس يعقوب عربيا وصهيونيا, أنسانا أن غزة مازالت تستضيء بالشموع, وأن أزمة الكهرباء فيها لم تقترب من الحل ولم تتجه صوبه أصلا ...
هذا التطنيش السياسي والإعلامي ليس لوجه الله ولوجه الثورات العربية ... مع احترامي لمطالب الثوار العرب الذين هم في حالة انتصار والذين هم في حالة انتظار ...
الأمر كله بدأ بمقلب لتغيير النظام الفلسطيني المنتخب بشرعية ... صاحبته قنابل فسفورية وحصار اقتصادي وظلام دامس من جهة ... وجدار وتواطؤ ثم انشغال من جهة أخرى ... أجل ... نحن مشغولون بثوراتنا الخاصة ... منهمكون بصراعاتنا اليومية في الشوارع والملاعب ... ونتساءل متى ترضى عنا البطاطا فتتنازل عن عرشها ... وكيف انقلب علينا الموز بعد ألفة دامت سنين, وولى ببردته الصفراء؟
وفي غزة تتعرى عروبتنا كل يوم ... وتجوع إنسانيتنا ... وتغلق مروءتنا أجفانها على حلم لا يأتي ... فغزة مازالت في الظلام ...

قمر


هناء شلبي بعد اضراب 44 يوما عن الطعام تخرج من السجن مثل القمر ...
هي قمر حطم قضبان السجن رغم النحول والشحوب والتعب ... لم تكن بحاجة إلى مساحيق لتستقبل حريتها ... لأن الفرح والألم كانا الشيء نفسه في قلبها ...
قلب يتم إبعاده عن أهله في الضفة الغربية إلى أهله في غزة ... دموعها التي تعلقت في عينيها لا تعرف لها هوية ... اتشحت بالفرح والحزن في ذات الوقت ... دموع تودع بعضها لتلقى بعضها ...
انتصرت هناء شلبي ... رغم أن العدو حاول أن يشوه نصرها بخيبة الإبعاد ... انتصرت بعد أن فقدت 20 كيلوغراما من وزنها ... انتصرت بلحمها ودمها ... بألم ليالي الجوع والبرد ... بغصة الفراق عن الأهل ... امرأة عربية كسرت كبرياء العدو, حين لم تجد معتصما يكسره لها ...
فلا نامت أعين الجبناء ...

يوم الغضب الذي لا يأتي


كثرت أيامنا ... وكثرت معها آلامنا ... وفي كل ذكرى نحاول أن نستبدل المرارة باحتفال كالعزاء ...
45 سنة ويوم الأرض يوم يذكرنا بخيانتنا للتراب الذي نبتنا منه ...
أربعة عقود ونصف, وعيوننا وحدها ترحل كل يوم إلى هناك ... شاهدة على المواعيد الكثيرة التي تأخرنا عنها ... والوعود الصامتة التي أخلفناها ... والدموع التي أسلناها ... والدماء التي سكتنا عنها ...
لكن العربي الذي صنع الإسلام عزته ... وعلمه كيف يخرج بخيله من الأساطير والحكايات الخرافية إلى ساحات العاديات حيث يثور الغبار وتتلطخ الأجساد بالعرق والدم ... ذلك العربي ... ترجل عن حصانه وتركه وحيدا ... وراح يبحث عن البطولة في آراب أيدول ... وعن الأحلام في ستار أكاديمي ...
لم يعد يطرب لصليل السيوف ... واستبدل الكر والفر بهز الأكتاف والأرداف ... وفي يوم الأرض يأخذه الحنين ويهزه الضمير ... يقف لحظة مع أغنية فيروز: الغضب الساطع آت ... فيتلفت خلفه ... ولا يجد شيئا ...

عودة بغداد


بغداد ... ما أغرب الحنين الذي يحمله اسم مدينة ... مجرد اسم حين يرن من الشفاه إلى الآذان ... تشعر بغصة التاريخ تتحشرج في الحلوق ...
مدينة تنبت في أحلام كل عربي زهرة للنهوض ... بعد قرون طوحت بها من سقوط إلى سقوط ... ومن تتار إلى تتار ...
المدينة الوحيدة التي حين سقطت أول مرة سالت دماؤها حبرا امتزج بمياه الفرات ... والمدينة الوحيدة التي لن تنهض إلا إذا عاد هذا الحبر ليصلح بين الكلمة والصحيفة ...
بغداد أكثر من مجرد مدينة ... أكثر من مجرد جرح غائر في جسد عربي ...  بغداد صدر نامت في حضنه خلافة فتحت عيون العالم بالنور قبل أن تغلق عينيها وتعتزل الشمس ...
بغداد تنهيدة عاشق بابلي صنع لصاحبته سلما من ورود نحو السماء ... ثم ارتقى ونسي أن يعود ...
بغداد حين تعود يتبسم لها حمورابي ... ويومئ إليها الرشيد ... ويغني لها الموصلي عن ليال كانت كلمة العربي فيها من ذهب ...