الأربعاء، 18 أبريل 2012

بلقيس


حين قتلت بلقيس الراوي زوجة نزار قباني في حادث تفجير السفارة العراقية سنة 1983 ببيروت, انفجر الرجل الزوج والحبيب, وثار ضد القبيلة العربية التي قتلت نخلته العراقية ... وأطلق قصيدته الشهيرة بلقيس كرصاصة في قلوب العرب الذين كانت فترة السبعينات والثمانينات قترة عاصفة في تاريخهم, اختلط فيها النضال ضد العدو الصهيوني بالحسابات الحزبية والطائفية ... وتلقى الجميع رصاصته بنفس الطرب الذي كانوا يتلقون به قصائده النسائية المعطرة ...
لكن ثأر فتاة الأعظمية بقي معلقا دون أن يجد قاتله ... ونما أطفال بلقيس وهم يتطلعون ليوم الحساب ... حتى بعد أن رحل والدهم الشاعر بكلماته وقصائده ... رحل أعزب عله يلقى عروسه التي مزقتها سيوف القبيلة ...
وأطرف ما في الأمر أن يظهر قتلتها بعيد احتلال العراق وسقوط بغداد, معترفين ببطولاتهم البائسة ... لكنهم غفلوا أن نزار قد رفع ضدهم قضية في قصيدته تلك ... قضية لم تقفل ...  تنتظر قاضيا يحكم فيها ....

فساد


في مثل هذه الأيام الماطرة, وحين تمتلئ الطرقات, وتغرق الشوارع بالماء الموحل ... وتتهدم البيوت ويغرق الأبرياء, أتذكر مقولة رائعة للكاتب المصري الساخر المرحوم جلال عامر: " فضحت السماء فساد أهل الأرض .. وإذا كان الكفن ليس فيه جيوب فإننا نذكرهم أن جهنم أيضاً ليس فيها مراوح".
السماء حين تمطر بهذا الشكل لا تفعل إلا لتفضح فساد أولئك الذين يدعون أنهم صرفوا كذا وكذا لإصلاح المجاري وشبكات تصريف المياه وتهيئة الشوارع ... وحين تكشف السيول الفواتير المزيفة, لا تجد من يحاسب, بل تطلع علينا خطة أخرى لإصلاح نفس المجاري, وإعادة بناء شبكة تصريف جديدة ... بفاتورة أخرى, حتما أعدت لها جيوب أخرى لا تدرك ألا مكان لها في الكفن ... لكن من يتعض؟ 

عُقد



الكشافة البريطانية قررت أن توفر زيا كشفيا إسلاميا للفتيات المسلمات حتى يتسنى لهن المشاركة في النشاطات الكشفية المختلفة مع قريناتهن من المواطنات الإنجليزيات ... ويتكون الزي من سروال وقميص طويل يصل إلى أسفل الركبة ... وهي بادرة ليست فريدة من نوعها في بريطانيا التي ما فتئت تنتهج كل ما من شأنه يساهم في إدماج مختلف الأعراق والديانات في المجتمع الإنجليزي.
خبر كهذا يجعلنا نتذكر مجتمعاتنا التي لا تزال تعاني من عقدة الزي الإسلامي ... ومن عقدة الصلاة في أماكن العمل, ومن عقدة قراءة القرآن في الحافلة, وحتى من عقدة التكلم باللغة العربية ... فأنت حينها متهم باللاإنتماء ... بالتطرف ... بالتخلف ... فالزي الذي نلبسه يحمل لنا أحكاما مسبقة لا تعبر عنا ... أحكاما تظلمنا ... وتحرمنا من حقوق الإنسانية ... تحرمنا من الحرية التي ينادون بها ... ثم يسلبوننا إياها ... لا يمكنك أن تعمل بهذا الزي ... لا يمكنك أن تعمل بهذه اللغة ... لا يمكنك أن تكون معهم حتى تسلخ عنك جلدك ... لكنك إن فعلت تكون قد لبست كل العقد دون أن تدري ...

فيروس


كم عينًا يجب أن نفتحها على أطفالنا؟
كم كلمة يجب أن نحذفها من قاموس مخاطبتنا لهم؟
كم من الحيطة والحذر علينا أن نتخذ ... كي لا ينتحر أبناؤنا؟
هل يجب أن نخفي كل الحبال (والخمارات) كي لا يتخذوها مشنقة؟
هل يجب أن نبعد عنهم أعواد الكبريت والولاعات ونقطع عنهم البنزين ... كي لا يشعلوا النار في أجسادهم؟
آباء كثيرون يجب أن يقفوا برهة وينظروا إلى أبنائهم بتساؤل: هل أعرفه كفاية؟ هل يمكنني أن أتوقع ما يدور بخلده وهو في سنه الحرج أو البريء ذاك؟
لقد أصبحنا في وقت يجعلنا نفكر في تعيين مخبرين لمراقبة أطفالنا ... فلا يمكنك أن تعرف إن كان محبا للحياة ومقبلا عليها ... أم أن ميتته على صفحات الجرائد وقنوات الأخبار تستهويه ...
إن أصعب من موت الابن في حد ذاته هو أن تتحمل مسؤولية هذا الموت وتحمل ذنبه ... نحن من يدفع بهم إلى ميتة ما أو حياة ما ...
إذا انتحر هؤلاء فإنما هو وباء ... نحن من يحمل فيروساته المعدية ...
وحين يقع المحذور لا أحد يمكنه أن يعزينا ... 

الأحد، 15 أبريل 2012

رجل من ذاكرة


عندما يموت صديق الطفولة, تشعر أن قطعة من طفولتك قد اقتطعت منك ...
عندما يموت جار عزيز, تشعر أن أحد جدران بيتك قد تهدم ...
عندما يموت أستاذك المفضل, تشعر أن سبورة القسم فقدت هويتها ...
وعندما يموت رجل كأحمد بن بلة, يشعر خصومه وأصدقاؤه أن فصلا من التاريخ قد طوي, ولا يمكن أن يعود كما كان ...
رجل يمتد عمره التاريخي إلى ما يقارب السبعين سنة ... ارتبط اسمه بالمنظمة السرية, أول نواة عسكرية لثورة التحرير ...
رئيس لأول دولة جزائرية غداة الاستقلال ... وبعد خلعه, قضى خمس عشرة سنة في الإقامة الجبرية ... ليكون الرجل الطابو ... المسكوت عنه لقرابة ثلاثة عقود, حتى وهو في منفاه الاختياري ...
  وعندما عاد, استقبله الجزائريون ... واستقبلوا فيه ذاكرتهم التي لا يمكن أن تطوى لمجرد خلاف سياسي ولا حتى عسكري ...
رجل يحمل الكثير من التاريخ في ملامحه ... والكثير من الأسرار بين شفتيه ... هل قالها حقا في مذكراته التي أحجم عن نشرها قبل وفاته؟
أمثال هذا الرجل لا يمكن أن يموتوا دون أن يتركوا خلفهم أسئلة أكثر من الإجابات المحتملة ... لأنهم يستثيرون فضولك رغما عنك ... ترى هل سنكون ممن سيرث عنه ذاكرته وإجاباته؟  

الجمعة، 13 أبريل 2012

مشهد بدون بطولة


لماذا ينتحر شخص ما بحرق نفسه؟
لماذا يقرر أن ينهي عذاباته بعذاب أشد؟
لماذا عندما لا نحسن تقدير ذواتنا, نفكر أن نتخذ من موتنا نوعا من النكاية بالآخرين؟
الانتحار هذه الأيام لم يعد مجرد حالة لشخص منعزل فانزوى بنفسه في غرفته وقرر الرحيل  بصمت ... هؤلاء يفضلون رحيلا عاصفا ... رحيلا له مشهد مدو ورائحة تعلق في الضمير ... لكنها في كل الأحوال طريقة تغيب ضمير صاحبها, وتجعله يوقع انهزاماته بهزيمة أخيرة لا يقيل له فيها أحد عثرة ...
المشاهد المازوشية التي تطالعنا هنا وهناك, هي لأناس قرروا أن ينهوا التهميش الذي طالهم بمشهد درامي أمام أعين الناس والكاميرات ...
لكن المشهد سينتهي ... ولن يقف صاحبنا ليرفع رأسه ويفخر بإنجازه أمام تصفيقات المشاهدين ... فالمشهد كان بلا بطولة ...

الأربعاء، 11 أبريل 2012

شعوب لا تعرف مصلحتها


يبدو أن الليبراليين الذين تبنوا الثورات العربية وادعوا الفضل لأنفسهم وحدهم بتحرير شعوبهم من الأنظمة الديموقراطية, لم يكسبوا من الليبرالية إلا اسمها المجرد, فهم على خطى من سبقهم من القوميين والشيوعيين سائرون لا محالة ... وأول ما ورثوه عمن سبقهم عقدة الإسلاموفوبيا ... فهي بالأحرى مرض عضال تبدأ أعراضه حين تخشى أن يأخذ الإسلاميون منك شيئا لم يكن لك, ولكنك تعتقد أنه كذلك ...
لكنهم في ذات الوقت لا يدركون أنهم باعتراضهم على خيار الشعوب, إنما ينهجون نهج الأنظمة التي أطاحوا بها, والتي كانت تعتقد كذلك أنها وصية على شعب لا يعرف مصلحته ... وهذه الشعوب حين اختارت الإسلاميين بطريقة ديموقراطية وشرعية لا غبار عليها ... لا تعرف مصلحتها ...
لقد عانت الشعوب من خيارات لم تتخذها, ودفعت الثمن من عمر أمة وحضارة ... فلماذا لا ندعها تجرب خيارا اتخذته بنفسها ... فمن المؤكد على الأقل, أنها لن تخسر أكثر مما خسرته ...