الأحد، 10 يونيو 2012

مسخرة



من أكثر الأشياء سخرية ومسخرة أن يعلم الذئب قطعان الخراف كيف تنجو من الافتراس ... ان يعلم اللص أهل بيت كيف يؤمنون منزلهم ... أن يدل السجان سجينه على باب الخروج ... وأن يلقن أحمد شفيق رئيس وزراء مبارك سابقا  خصومه اصول الخلاف وآليات الممارسة الديمقراطية ... أن يعلن بشار الحرب على الإرهاب الأعمى ونصف المجازر يرتكبها شبيحته ... أن يشتكي الصهاينة من حجارة أطفال غزة ... ان يتذمر التجار من غلاء الأسعار والمستهلك صامت على مضض ... أن يسخط الإداريون من قلة  صبر المواطن على بيروقراطيتهم ... أن يشتكي عمال النظافة حين لا يزورون الحي إلا مرة في الأسبوع من تراكم القمامة ... أن تشتكي الأحذية من كثرة الصراصير ... وأن أنهي مقالتي خالية من أي تعبير ...

القيم ... وعوامل التعرية


يمكن أن يثار جدل كبير حول القيم نفسها, هل هناك خط فاصل يدل عليها؟ هل هناك مفهوم واحد يحددها؟ هل يمكن أن تتغير نظرة مجتمع إلى قيمة ما, بحيث ما يكون محرما ومستهجنا في زمن ما يصبح مباحا ومطلوبا في زمن آخر؟
أقول هذا من واقع تجربتي مع جيلي, ومع الأجيال الحديثة التي احتككت بها حين كنت أدرس في مرحلة ما ... وأغرب ما يمكن أن تكتشفه, يحدث دائما مع تلاميذ الإعدادية ...
كان هناك تلميذ, أحسبه من الجادين الخلوقين, وكان قد اقترب مني كثيرا لدرجة مصارحتي بما يجول في خاطره, وما يعتلج في نفسه, ربما لأنه كان قد فقد أمه حديثا (رحمها الله). وكان أن أخبرني ذات مرة أن له "صديقة" في المدرسة يبادلها عواطف خاصة ... تجاوزت دهشتي لصراحته ... وتجاوزت كل نصائح "الكليشيه" في معالجة مثل هذه المواقف, وقررت أن أسأله: "هل تعتقد أن علاقتك بها صواب أم خطأ؟", فأجاب بعفوية: "بالتأكيد صواب ...", فقلت في نفسي: لأجل هذا هو لا يخفي الأمر ولا يتحرج من ذكره ... فهذا الفتى وبطريقة ما لم تصله أي رسالة من العرف الاجتماعي على الأقل ... ثم قررت أن ألتف حول الموضوع بطريقة أخرى, فقلت له: لا أعتقد أن أخاها إذا رآكما معا في الشارع سيعجبه ذلك ... فأجاب بلا تردد: ولِمَ لا؟ أنا على استعداد لمناقشته في الأمر!!!
لا بد أنه تعجب من تعابير وجهي حينها أكثر من عجبي لجوابه ... الفضائي ذاك ... وبعد مناقشة قصيرة أدركت أن الفتى يجد دعما من أفراد أسرته في هذه المسألة ... بدءا من جدته إلى أخته الكبرى التي تكللت علاقتها السابقة بالزواج!!!..
هنالك عرفت أن أشياء كثيرة تتغير في مجتمعنا ... ليست التكنولوجيا وحدها ... وأن القيم لا تتمتع بنفس الحصانة التي كنا نخالها لها ... وأنها عرضة لعوامل التعرية والنحت, تماما كالتضاريس!!!..

ربيع فلسطيني


انشغال الشعوب العربية بربيعها, داميا أو عاصفا, كان نقمة على التنمية المحلية ... ولكن التطلع إلى مستقبل واعد ... يجعل الجميع يتحلى بالصبر ... وينتظر ...
لكن نقمة الربيع لم تقتصر على أهل كل مصر ... ولم تكتف بأهلها ... بل امتدت إلى الفلسطينيين الذين لم يعد لهم ملف على الطاولات العربية ... ولم يعد هناك من يناقش تفاصيلهم سوى مجلس الوزراء الإسرائيلي ...
ولعل الحل الوحيد الذي بقي أمامهم هو أن يحل عليهم ربيع يطيح بإسرائيل ... ويوقف مخططات الاستيطان والتهويد والترحيل ...
من العجيب أن يكون لبراعم الربيع صخب يطغى على صوت الغارات النازلة على رؤوس أهل غزة ... فلا يثير انتباه أحد ... ولا يستثير امتعاضه صلف المستوطن ودقات منقب تحت أساس الأقصى ...
مادام الربيع قد صار أكثر دويا من كل هذا, فالفلسطينيون بحاجة فعلا لربيع فلسطيني ...

مصر ... أم الدراما


مصر أم الدنيا هي أم المفاجآت الآن ... فبعد صعود الفريق أحمد شفيق غير المتوقع ... يأتي النطق بالحكم في قضية مبارك ونجليه وزبانيته ليثير المفاجأة الكبرى ... حكم البراءة كان صفعة مؤلمة في وجه الثورة الفتية التي لم تقطف بعد ثمارها ... ليتأكد لنا بما لا يدع مجالا للشك أن مصر أولا وأخيرا هي ... أم الدراما ...
فما حدث وما يحدث يؤكد أن ما كان يسمى فلول النظام لا يزالون فاعلين ... ولا يزالون يملكون السلطة على تحريك الأحداث وتغيير المعطيات لتصب في صالح النظام السابق ...
بل وأنكى من ذلك أن النظام السابق لم يعد سابقا ... لأنه ببساطة وبقرار محكمة, لم يعد له سوابق ... وتماما كما يحدث في سيناريوهات الأفلام ... تتم تبرئة المتهم بسبب انعدام الأدلة ... أدلة كان العالم كله شاهدا عليها ... وقد سجلتها الكاميرات ونقلتها الفضائيات ... لكن القضاء المصري عميَ عليها ... وخرج المعلم الكبير منها كما تخرج الشعرة من العجين ... وسيتمختر في أزقة الحارة وسط زفة صبيانه ... موزعا الشربات على الغلابة ... ويطلع الجنيريك في مشهد ليس غريبا على أمة تمارس السينما منذ أكثر من قرن ...

بين الباز وجمعة ...


لقد اهتزت الأوساط الفكرية والإعلامية للفكرة التي أطلقها الدكتور فاروق الباز من دبي في إحدى الندوات ... رغم ما حملته من سداد في الطرح وواقعية في التحليل وصدق في التعبير عن نظرة رجل مخضرم إلى إنجازات جيله والجيل الذي بعده ...
فقد اعترف أنه ينتمي إلى جيل الفشل ... وهو الجيل الذي رفع مبادئ وأهدافا كثيرة تردد صداها منذ الخمسينيات, كالوحدة العربية والقومية وتحرير فلسطين من العدو الصهيوني ... لكنه فشل في تحقيق أي منها فشلا ذريعا ... وبقيت شعاراته مجرد نياشين لا يستحقها علقت على صدره لتذكره بإخفاقه الكبير ...
أما الجيل الحالي فهو -كما قال- جيل الكسل ... جيل عجز عن أن يضع لنفسه أهدافا تنهض به ... واكتفى بأن يرث أهداف الجيل الذي سبقه, وحمل معها الفشل الذي اقترن بها أيضا ... وعجز بذلك عن أن يصنع من الليمونة الحامضة عصيرا حلوا ...
جيل لم يدرك مفتي الديار المصرية علي جمعة في إحدى خطب الجمعة مؤخرا أنه يعبر عنه, حين رفع يديه داعيا, والناس حوله يؤمنون: "اللهم حرر لنا القدس وأعدها إلينا ..."!! دعاء حين سمعته لم يطاوعني لساني أن أأمن عليه ... لأنه ـ بكل ما يحمله من عجز وتواكلية ـ لن يستطيع أن يجعل أبواب السماء تفتّح له ...

قبل أن يحطم باب الحارة


لو اشتعلت النار في بيت الجيران ... لهرعنا لإطفائها بكل وسيلة, حتى لو كان صاحب البيت هو من رمى عود الكبريت ... فالحل الفوري والسريع تمليه علينا الظروف القاهرة ... لا يمكنك أن تقف متفرجا وحياديا لمجرد أن جارك أصابته لوثة من جنون فأحرق بيته هو ... لأنك إن لم تتصرف وصلت ألسنة اللهب إلى بيتك..!
والوضع في سوريا يستدعي منا التصرف بسرعة ... لا يمكن أن نقول أن الدم المسفوك هناك, والأصوات المخنوقة, لا تعنينا ... لا يمكنك أن تقول لأخيك السوري الغارق في النكبة: يداك أوكتا وفوك نفخ ..! لأن ذلك لن يكون سوى تعبير مخزٍ عن خذلان أكثر خزيا ...
 الحل في سوريا لا يجب أن يكون إلا سلميا كي تنجو البلاد ويسلم العباد ... قبل أن تحرك الأمم -التي لا تبالي- آلتها العسكرية لتحطم باب الحارة ...
الحل في سوريا يحتاج إلى رجل بيده صنع القرار ... حتى لو كان هذا الرجل هو بشار نفسه ... تماما كما حدث في اليمن ... لأن العناد لا يحقق شيئا سوى تكسير الرؤوس ... وكل صامت ليس إلا شيطانا أخرس ... 

الحب الذي تقتله "الرجلة"


نحن الجزائريون عندما نكره نقولها في أكثر من كلمة, منساقين وراء عاطفة غضب جارفة تكتسح من حولنا وتهزنا من الأعماق ...
لكننا عندما نحب ... لا ننطق بكلمة واحدة ... فقليلون منا الذين يحسنون الكلام العاطفي ... أو لعلنا نخجل من لحظة اعتراف من هذا النوع ... ونفضل الفعل إذا لم يفضح هذا الاعتراف ... فالحب عندنا ضعف وخضوع ... وكثيرون منا ما هم إلا صورة واقعية لشخصية "عمر قاتلاتو الرجلة" للمخرج مرزاق علواش ... عمر الشاب الذي يغرق في تفاصيل الرجولة التي يمارسها يوميا ... لكنه يضيع في النهاية على نفسه فرصة اعتراف وقفت فيها رجولته موقف المتردد ... فآثر الانسحاب أمامها بكبرياء مبالغ فيه ...
 كم منا يقول كلمة حب لأمه مجانا ... أو لأخته ... أو لأخيه ... أو حتى صديقه ... دون أن يكون مشرفا على الموت!
لماذا ننتظر النهايات الدرامية لنطلق فيها ما يمكن أن يكون بدايات سعيدة لنا ولغيرنا؟ نحن نرفض الحب الدرامي ... ونفضل أن نتعاطى الحب الذي لا يقتل رجولتنا, ولا يخدش أنوفنا ... لأننا ببساطة نخشى الحلم الذي يبعدنا عن الواقع ... أن ترتفع أقدامنا عن الأرض ... أن نفقد التوازن ... لأننا ... نخشى أن نقع!