الخميس، 29 مارس 2012

أعز الأشياء


قالوا: أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى أو يخاف".
هل تجد نفسك عند واحد منها؟ إذا ملكت الثلاثة, فقد بلغت الغنى ...
كثيرين منا منشغلون بعدّ ما عندهم من قلة عن الجود بها ... وحجتهم أن عليهم أن يعرفوا حجم هذه القلة كي يحسبوا النسبة التي سيجودون بها ...
وبعضنا ليس لديه الوقت ليخلو بنفسه كي يتورع فيها ... مع الصخب الذي يعلو من تلفازك وتلفاز الجيران ... ومع الخصوصية التي حرمتك منها الإنترنت ...
ثم إنك لن تستطيع أن تحصي الكم الهائل من الصفحات والفيديوهات التي صرنا نهذر فيها بكلام نخلط فيه بين الحق والحقيقة ... فليس الفيسبوك أو التويتر ولا اليوتوب ممن يرجى أو يخاف ... ومعظم الحق الذي نتشدق به إنما هو حق يراد به باطل ...
ورغم كل ما صرنا نملكه الآن ... لا زلنا نفتقد أعز الأشياء ...

عابر تاريخ


حماتي امرأة في عقدها السابع, ككل النساء الجزائريات تحمل التاريخ ذكريات بريئة لطفلة صغيرة وامرأة شابة ...
طفلة رأت الجنود الأمريكيين يجوبون شوارع العاصمة حين كانت في السابعة عام 1942, وكيف كانت هي وأقرانها يرددون جملة انجليزية واحدة لمخاطبتهم, دون أن تعرف أنها لغة إنجليزية ... حين تذكر هذا تضحك كثيرا ...
امرأة شابة, تذكر كيف اقتحم جنود الاستعمار بيت العائلة بحثا عن أخي زوجها, وكيف فكوا قماط وليدها كي يبحثوا عن قطعة سلاح ... وحين تذكر هذا تلمع عيناها فخرا ...
وهي في الحادية عشرة, حين كانت في خميس مليانة عند خالتها, أخذها عمها لاستقبال مصالي الحاج بالزهور, تتذكر كيف خطب فيهم عن جزائر حرة مستقلة ... لكن هذه الحادثة لم تذكرها إلا حين رأت لقطة عنه في إحدى القنوات الجزائرية الجديدة ... بعد التعتيم الإعلامي والتاريخي الطويل الذي لف هذه الشخصية ... حين رأته صرخت: الحاج مصالي ... ثم بكت ... وهي تقص علي كيف دخل هذا الرجل بتاريخه إلى ذاكرة طفلة في الحادية عشرة ... بكت رغم أنها لا تعرف أنه مات في المنفى كأنه لم يناضل ولم يؤسس لفكرة الكفاح المسلح ... رجل غيبت صورته كأنه عابر تاريخ ...

هو وهي


هو وهي
ضدان, كما يقول الشاعر:
 ضدان لما استجمعا حسنا   والضد يظهر حسنه الضد
على الرغم من الاختلاف بينهما ... فإن هذا الاختلاف وجد لكي يصنع تكاملا عجيبا ... لو قدر له أن يوجه التوجيه الصحيح ... ولكن متصيدي الفرص ... الذين يحلو لهم الاصطياد في المياه العكرة, خلقوا بين الطرفين فتنة طائفية تشبه تلك التي يسفك فيها الدم وتنتهك الحرمات.
ما هو الوضع الطبيعي لهما؟ السؤال جوابه في بدء الخليقة: الجنة ... فعندما خلق الله آدم وحواء أسكنهما الجنة, وأحل لهما أن يأكلا من حيث طاب لهما ... لأن ما بينهما من مودة ورحمة كفيل بأن يمنحهما النعيم الذي يستحقان ... لكن وبمجرد أن تدنس هذه اللحمة, تطلع رؤوس الشياطين ...
لماذا لا يتفقان ويرضى كل بما قسمه الله له؟ ... ألم يأن لكل منهما أن يضع السلاح ... ويكف عن ترصد صاحبه غدرا؟ فالجنة تتسع للجميع ...

فكرة وتغيير


الفكرة التي لا تغير صاحبها لا تستحق العناء ... أفكار كثيرة تولد يتيمة, فإذا تلفتت لا تجد لها صاحبا ... فكل من حولها مجرد أوصياء وصوليين استهوتهم الفكرة سلما يصعدون به إلى أحلامهم الجوفاء ... لكن حياتهم لا تجسد شيئا من تلك الفكرة ... ولا حتى ظلها ... لذا, سرعان ما تهوي بهم وبزيفهم أسفل سافلين ...
ذلك ما نفتقده اليوم ... القدوة ... نستطيع أن نتحدث إلى الصباح عن المبادئ ... لكننا إذا لم نتمثلها في أنفسنا ... فإن خطاباتنا المملة لن تغير أحدا ... ولن تنهض بأمة ... ببساطة, لأنها لم تغيرنا نحن ... ولم تنهض بنا من مستنقع الدعة والخمول ...
الفكرة كالوقود ... لكنها إذا لم تملأ الخزان, فلن يعمل المحرك ...
نريد لأفكارنا أن تملأنا وتمتلئ بنا ... فتفيض على من حولنا لتسقي عروقهم الجافة ... وتبعث فيها الحياة ... وحين تزهر البراعم فينا ... لا بد أن عبيرها سيصل إلى غيرنا ...

الأربعاء، 28 مارس 2012

الكلام المجاني


نتكلم كثيرا ... خاصة مع كثرة قنوات الاتصال التي تتيح لنا ذلك ... في تدفق مشاع لا يحكمه شيء ... ولا ينهره آمر ... ويحلو لنا أن نستجيب لشطحاتنا الفكرية والجنونية ... فكلنا شعراء يتبعنا الغاوون ... وكلنا غاوون نتتبع شعراء الكلام, حين تصير عملة الكلام أرخص العملات ... "الهدرة باطل" فالكلام مجاني حين لا نجد من يحاسبنا عليه ...
فلو أن الكشغري الشاعر السعودي الذي تطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم في تغريداته التويترية لم يكن سعوديا لما وجد من يحكم عليه بالردة ... ولما هرب إلى خارج بلاده كي يعود إليها مكبلا بأمر ضبط ...
لو أنه غير جواز سفره قبل أن يكتب ما كتب لسطر ما قال بحروف من ذهب ولنحت ما صنعه في صرح الحرية ... وإن كان قد وجد من يحاسبه في الدنيا ...فسيجد كل منا من يحاسبه في الآخرة على حصائد لسانه ... وجنايات أقلامه .. 

غريبة هي الثورة


أغرب شيء في الثورات أنها تسفر عن نتائج تشبهها تماما ... أقصد أنها تشبهها في طابعها الفوضوي العارم ... إذا كنتم تتفقون معي, أنه رغم نبل كل الثورات, إلا أنها تأتي كالإعصار ... كالرياح, فكما أنها تحمل معها البذور والبراعم الصغيرة لحياة جديدة ... تحمل إلينا, للأسف, القمامة والفوضى والدمار ...
لكن الأهم من ذلك, أننا بعد أن يمر الإعصار لا نكتفي بالتواري تحت الحطام والركام ... فالثورة التي تحمل التغيير الجميل ... لا بد أن تهدم شيئا أو أشياء ... ولا بد أن يصيب الهدم بعضنا بطوبه أو حتى بجلبته ... فلا تتوقعوا أن التغيير يأتي كما تنبت الزهور ... فحتى الزهور حين نبتت وأينعت ... كانت في البداية بذرة شقت بطن الأرض لتطلع إلى النور ... 

جدتي


أجمل شيء في جدتي هو ورعها وحياؤها ... شيئان لا تجدهما فيمن هو أصغر منها سنا, ولا أكثر ثقافة ... حياؤها يشبه حياء ذوات الخدور ... يملؤها نورا ورقة وجمالا رغم التجاعيد التي تملأ وجهها ...
 جدتي لم تتعلم ولا تحسن القراءة ... ومع ذلك فإنها تحسن ما يستعصي على الكثيرين: ضبط علاقتها بالله وعباده ...
لم أسمعها يوما تدعو على أحد, ولم أشهدها تشكو من أحد ... فكل الناس عندها معذورون لا تهمة تكدر صفحتهم عندها ...
جاوزت التسعين ... وبسبب الروماتيزم لا تستطيع المشي إلا زحفا على ركبتيها ... ومع ذلك حين رزقها الله عمرة في رمضان الماضي, لم تتنازل عنها, بل أصرت على الذهاب رغم مشقة السفر, ورغم أنها لا تستطيع أن تقوم على حاجاتها بنفسها ... وحين لمحها شاب في المطار على حالها تلك ... أشفق عليها وسألها: من لك هناك؟ فأجابته بكلام يعجز ذوي الألباب: ليَ الله ربي ...
صوتها على الهاتف من الحرم كان أقوى من صوتها المتهالك في سائر أيامها ... أدت شعائرها بيسر لم يقيظه الله لمن هم أصغر منها سنا وأقوى بنية ... وعادت بأحسن مما كانت عليه, وكلها شوق ان تعود إلى هناك مرة اخرى ...
إذا اردت درسا في التنمية البشرية فهي جدتي ... ومن دون كلمة زائدة ...