السبت، 28 أبريل 2012

آليات مفقودة


يحيرنا هذا الكم الهائل من المتخرجين من الجامعات والمؤسسات التكوينية, إلى جانب الكم القليل من الفعالية ... ما الذي ينقص التعليم عندنا كي يخرج شبابا ناجحا في الحياة وليس في الامتحانات فقط؟
المشكلة أننا ما زلنا نتعلم بنفس الطريقة, قد تكون البرامج تغيرت قليلا, لكن الوسائل والرؤى بقيت هي ذاتها منذ عقود عدة ...
فشبابنا بعد التخرج سيحتاج لمن يكتب له طلب توظيف ... سيجد أن قصور لغته الأجنبية يعوقه عن تولي مناصب كثيرة ... سيجد أنه نفسه كشخص غير مقنع لرب العمل كي يوظف خدماته ... وعلة ذلك أنه لم يتعلم فنون الحوار والتواصل والخطابة ... لم يتعلم مهارات المناظرة التنافسية والإقناع ...
وبالتالي, فهو وإن تخرج من الجامعة, فإنه  يزال فاقدا لأسس التفكير النقدي والتواصل الاجتماعي ... غير فعال في العمل الجماعي والإبداعي ... باختصار ... لم يكمل بعد سنته الابتدائية الأولى ...
لذلك فإن تلك الأشياء التي تفتقدها مناهجنا التعليمية هي من أساسيات التكوين والتدريب على فنون القرن الواحد والعشرين في المدارس الغربية ...
إذا لم نكن فعالين بالقدر الكافي في هذا القرن ... فنحن  نزال متأخرين قرونا بعد ...

اغضبوا


الغضب والكراهية وجهان لانفعال واحد, فلا تغضب إلا إذا لقيت ما تكره, ولا تكره إلا ما يثير غضبك ... وبقدر ما هي أحاسيس إنسانية, بقدر ما تخرج المرء عن إنسانيته إذا تملكته ... وليس أدل على ذلك من حروب العرب في جاهليتهم الأولى, فلم يثر  حرب داحس والغبراء ولا حرب البسوس إلا مشاعر غضب وكراهية أذكتها قرابة أربعين سنة ... حتى كادت تفني سادتهم وعبيدهم ...
وأغرب شيء في هذه الانفعالات أنك إذا لم توجهها إلى مكانها الصحيح انقلبت عليك لتدمرك وتفت عضدك ... وليس أدل على ذلك من غضبة العربي في أيامنا هذه ... فلا يستثيره إلا أخوه وجاره وصديقه ... ولا يمر يوم إلا وتطالعنا الصحف فيه عن أبشع الجرائم التي ترتكب لأتفه الأسباب ... كلها لأن مرتكبيها غضبوا لشرف أو لكرامة ...
لكن الشرف والكرامة يدنسان في كل حين,  وفي قضايا أكبر وأعظم ... والعربي الذي كان يدندن:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
حتى يراق على جوانبه الدم
لم يعد يغضب لشرفه المدنس في فلسطين, وكرامته التي هانت في العراق, ولحمه المقطع في سوريا, وكبده الجائعة في الصومال ...
لعمري لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أوصى صحابيا في زمانه: "لا تغضب", لو أنه بعث في أيامنا هذه لصاح فينا: "اغضبوا" ...

غونتر غراس يقول ما يجب أن يقال


لماذا أصمت لقد صمتُ طويلا
عما هو واضح وما تمرست على محاكاته
بأننا نحن الذين نجونا
في افضل الاحوال في النهاية
أننا الهوامش في أفضل الأحوال
انه الحق المزعوم بالضربة الاولى،
من قبل مقهور متنمر
هذا مقطع من قصيدة الشاعر الألماني غونتر غراس "ما يجب أن يقال" التي انتقد فيها قرار بلاده إرسال غواصة نووية إلى إسرائيل لتساعدها على ضرب إيران ... وهكذا أصبح الشاعر ببضع سطور صرخت بالحقيقة متهما بمعاداة السامية, وقد تسحب منه جائزة نوبل التي حصل عليها ... لأنه لم يسكت ... لأنه يعرف أن أمر الحرب على إيران أمر يعنيه كإنسان, ويهز ضميره كشاعر ...
غونتر غراس قال ما يعتقد أنه يجب أن يقال ... حين صمت العرب والمسلمون عما يجب أن يقولوه ... وعما يجب أن يفعلوه ... وصدقوا أن الأمر لا يعنيهم ... لا شرعا ولا إنسانيا ...
السؤال الذي أطرحه هنا: ماذا سيكون موقف كل منا إذا أقدمت إسرائيل على ضرب إيران؟ هل نسكت؟ ألن نبالي؟ لماذا؟ لأنهم شيعة ونحن سنة؟
إذا كان هذا هو الموقف الشرعي, فماذا يقول الموقف الإنساني؟ وماذا يكون موقف التاريخ الطويل بيننا؟
السؤال عقيم ... فقد تخلينا من قبل عما يجب أن يفعل ويقال عن فلسطين والعراق ... فسقطنا ... لهذا خرج غونتر غراس عن صمته ... لأنه لا يريد أن يسقط كإنسان ...

سقوط الفرح


ما الذي يحدث للطفولة في الجزائر؟ ولماذا تتوالى المآسي تباعا منذ شهور؟ كيف تتحول مجرد حوادث معزولة إلى ظاهرة اجتماعية وإنسانية؟ وكيف تصبح الآلام الصغيرة ألما كبيرا؟
 إذا لم نكن قد انتبهنا للأمر, أو لم نوفه حقه في القراءة, فقد جاءت حادثة وفاة التوأم هاني ورمزي تحت شجرة متعانقين من شدة البرد, لتؤكد أن أطفالنا لا ينتحرون ... بل يهربون ... إلى أين؟ ومِمَّ؟ نحن لا نعرف ... لكنهم ... يعرفون ...
هم يخرجون من البيت ومن الحياة ليفتشوا عن شيء فقدوه عندنا ... الفرح ...
فقد سقط الفرح من قائمة مشترياتنا ... ومن أولوياتنا ...
سقط الفرح من وجه أب لا يستطيع راتبه أن يوفي حاجات البيت ...
سقط الفرح من حضن أم همها عشاء اليوم والغد ...
سقط الفرح من يد معلم اختصر طريق المعرفة بين العصا والسبورة ...
سقط الفرح من عيني أخ كبير سكنتهما أحلام الضفة الأخرى ... ليهرب من ضفة عقيم ...
وحين يسقط فرح أطفالنا في هذه الدنيا ... يستعجلون فرح الآخرة ... فيرحلون تاركين خلفهم ... ذنبهم الوحيد ... وضمائرنا ...

أمانة



عندما يخرج أبناؤنا من الباب, نستودعهم الله عز وجل, ونسأله أن يحيطهم بعنايته ورحمته, وعندما نعهد بهم أمانة لمعلم أو مرب, نشعر أننا ارتحنا من جزء من الهم والمسؤولية ... لكن الأمر يختلف حين تكتشف أن معايير اختيار هؤلاء مشكوك في سلامتها ... فالمربي قبل كل شيء ليس شهادة ومؤهلات ... بل إنسان يجب أن نطمئن لسلامته النفسية, وحسن أدائه لمهامه في تعامله مع أطفالنا ...
وحين تعمد مربية في روضة إلى كي ولد في الخامسة بسكين حامية بغرض تأديبه, فإننا سنراجع أنفسنا مرات قبل أن نخرج أبناءنا من البيت ...
لمن نسلم قرة أعيننا حين نغيب؟ ... أم أننا يجب أن نذكر الجهات الرسمية بضرورة التحري والحرص قبل إعطاء التصاريح لهؤلاء بإنشاء مدارس وروضات خاصة ...

الأربعاء، 18 أبريل 2012

بلقيس


حين قتلت بلقيس الراوي زوجة نزار قباني في حادث تفجير السفارة العراقية سنة 1983 ببيروت, انفجر الرجل الزوج والحبيب, وثار ضد القبيلة العربية التي قتلت نخلته العراقية ... وأطلق قصيدته الشهيرة بلقيس كرصاصة في قلوب العرب الذين كانت فترة السبعينات والثمانينات قترة عاصفة في تاريخهم, اختلط فيها النضال ضد العدو الصهيوني بالحسابات الحزبية والطائفية ... وتلقى الجميع رصاصته بنفس الطرب الذي كانوا يتلقون به قصائده النسائية المعطرة ...
لكن ثأر فتاة الأعظمية بقي معلقا دون أن يجد قاتله ... ونما أطفال بلقيس وهم يتطلعون ليوم الحساب ... حتى بعد أن رحل والدهم الشاعر بكلماته وقصائده ... رحل أعزب عله يلقى عروسه التي مزقتها سيوف القبيلة ...
وأطرف ما في الأمر أن يظهر قتلتها بعيد احتلال العراق وسقوط بغداد, معترفين ببطولاتهم البائسة ... لكنهم غفلوا أن نزار قد رفع ضدهم قضية في قصيدته تلك ... قضية لم تقفل ...  تنتظر قاضيا يحكم فيها ....

فساد


في مثل هذه الأيام الماطرة, وحين تمتلئ الطرقات, وتغرق الشوارع بالماء الموحل ... وتتهدم البيوت ويغرق الأبرياء, أتذكر مقولة رائعة للكاتب المصري الساخر المرحوم جلال عامر: " فضحت السماء فساد أهل الأرض .. وإذا كان الكفن ليس فيه جيوب فإننا نذكرهم أن جهنم أيضاً ليس فيها مراوح".
السماء حين تمطر بهذا الشكل لا تفعل إلا لتفضح فساد أولئك الذين يدعون أنهم صرفوا كذا وكذا لإصلاح المجاري وشبكات تصريف المياه وتهيئة الشوارع ... وحين تكشف السيول الفواتير المزيفة, لا تجد من يحاسب, بل تطلع علينا خطة أخرى لإصلاح نفس المجاري, وإعادة بناء شبكة تصريف جديدة ... بفاتورة أخرى, حتما أعدت لها جيوب أخرى لا تدرك ألا مكان لها في الكفن ... لكن من يتعض؟