السبت، 4 أغسطس 2012

حكمة الأذان ...


الحلول التي ننتهجها لمعالجة مشاكلنا يجب أن تنبع دائما من صميم تركيبتنا الثقافية والاجتماعية وحتى البيئية, وإلا فإنها لن تؤدي دورها المطلوب ولن تكون ناجعة على المدى الطويل ...
وقد أعجبني تحليل مالك بن نبي لأبعاد اختيار المسلمين الصوت البشري للأذان, وعزوفهم عن تقليد الحضارات المحيطة بهم في أسلوبها للإعلان عن الصلاة. إذ يقول لم يختاروا الناقوس أو الجرس لأن الجزيرة العربية كانت تفتقر لمعدن الحديد, كما أن صناعة الأجراس لم تكن معروفة عندهم ...
فاختاروا الصوت البشري ... وهو اختيار يوافق طبيعة المجتمع العربي آنذاك, المجبول على طرب الكلمة وإنشاد الشعر ... فالعربي كان يجل الخطاب, ويلتفت إلى الصوت البشري المنشد أكثر من أي صوت آخر ... تربى في سكون الصحراء على عشق الأصوات الطبيعية, لأنها تلامس روحه وتتلبس بشغاف قلبه ...
ولا يزال الأذان إلى الآن مدويا على سطح الكرة الرضية كأقدم صوت بشري ... لكننا لم نتعلم منه أن نبتكر أفكارا تناسب مقاسنا الثقافي والاجتماعي, أفكارا تخلد في وجه الزمن دون أن تبلى ... 

روجيه غارودي


حين أوشك القرن أن يلتف حول سني عمره, رحل الفيلسوف الفرنسي المسلم روجيه غارودي بصمت ... رحيله الصامت, لم يعكس أبدا حياته الفكرية والنضالية الصاخبة ... رجل وقف في وجه حكومة فيشي وحارب الاحتلال النازي بنفس الحدة التي رفض فيها الاستعمار الفرنسي للجزائر ... رجل لا يحب الأكاذيب التي تلتف حول التاريخ لتنسج قضايا زائفة ... فضح كذبة المحرقة النازية, فقامت الدنيا عليه في فرنسا وأروبا كلها, ليثبت بمحاكمته أن حرية التعبير التي يرفع الغرب رايتها, مجرد خرقة بالية أبلتها الأوهام ...
وحين أشهر إسلامه ... وجد أعداؤه فرصة ذهبية ليوجهوا إليه سهامهم اللاذعة, ليثبتوا أن ظلاميتهم أحلك من تلك التي ينسبونها إلى دينه الجديد ...
ثلاثون سنة على إسلامه, ولا زال صوته المجلجل في المركز الإسلامي السويسري سنة 1982, بعد أن أشهر إسلامه, حين قال إنه «...عاش حتى تلك اللحظة يبحث عن معنى معين للحياة فلم يجده إلا في الإسلام، وإنه وجد أن الحضارة الغربية قد بنيت على فهم خاطئ للإنسان..»
ذاك هو روجيه غارودي ... الرجل الذي عاش قبل إسلامه وبعده يحارب المفاهيم الخاطئة, ويفضح الألسنة الزائفة ...

الاثنين، 18 يونيو 2012

المصريون والحجاج


هل تصدق مقالة الحجاج بن يوسف عن المصريين في وصيته لطارق بن عمرو؟ فقد قال حين صنف العرب: لو ولاك أمير المؤمنين أمر مصر فعليك بالعدل, فهم قتلة الظلمة وهادمي الأمم وما أتى عليهم قادم بخير إلا التقموه, كما تلتقم الأم رضيعها وما أتى عليهم قادم بشر إلا أكلوه كما تأكل النار أجف الحطب, وهم أهل قوة وصبر وجلدة وحمل ... ولا يغرنك صبرهم ولا تستضعف قوتهم, فهم إن قاموا لنصرة رجل ما تركوه إلا والتاج على رأسه, فاتق غضبهم ولا تشعل نارا لا يطفئها إلا خالقهم. فانتصر بهم فهم خير أجناد الارض واتق فيهم ثلاثا:
1- نسائهم فلا تقربهم بسوء وإلا اكلوك كما تأكل الاسود فرائسها
2- أرضهم وإلا حاربتك صخور جبالهم
3- دينهم وإلا أحرقوا عليك دنياك
وهم صخرة في جبل كبرياء الله تتحطم عليها أحلام أعدائهم وأعداء الله.
هل سيصدق فيهم الحجاج؟ هل سيثبت المصريون للعالم أنهم أحسنوا الاختيار.

خوف أم!


أهل مكة لا يجوعون ولا يخافون, هذا ما قررته الآية من سورة قريش: "فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف". هاتان النعمتان لا يشعر بقيمتهما إلا من فقدهما ... فقد اقترنت مناطق كثيرة في إفريقيا بالمجاعة والحروب الأهلية ... أمران أحلاهما مر! فإذا لم تقتلك نيران طائشة, تقتلك المجاعة بعد أسابيع من العذاب والمرض ...
أذكر هذا حين أشعر أن خللا ما في المنظومة الأمنية, قد تهزه مجرد عملية اختطاف لطفل صغير ... حادثة تؤكد لنا أن مثل هذا القلق لن يزايلنا على فلذات أكبادنا ... هل يمكن أن نطمئن عليهم وهم يلعبون قرب المنزل؟ هل يمكن أن أثق في جار أو قريب يكون هو المتهم في نهاية الأمر ... الحوادث في الجرائد وتفاصيلها في مثل هذه القصص المرعبة تسرقك من كل لحظة أمان تتوهمها قلوبنا, وتجعلنا نخاف الغفوة والسهوة ...
من يعيد الأمان إلى عيوننا؟ من يسلخ الخوف عن صدورنا الثقيلة؟ من يطمئن الأمهات؟ من يداوي جرح الثكالى؟ 

دعوة الكرة!


أشياء كثيرة تحدث من حولنا, تقف شاخصة أمامنا, تصفعنا بتحديها, تصم آذاننا بصخبها, لكننا لا نتعظ ولا نتعلم ...
الأفراح التي سلبها التاريخ منا ... والأحلام الحقيقية التي مزقتها أجيال من الفشل ... جعلتنا نركض خلف أحلام زائفة ... ونفتش عن فرحة مؤقتة في مزبلة اللاجدوى ... فاخترعنا بهجة الجلد المنفوخ بين الأقدام ... وصيرناها رمزا وطنيا ومجدا ثوريا يلهب الحماسة الخابية, ويشعل الحمية المكتومة ...
لم يعد هناك شيء يسعدنا إلا هدف ناري في الشباك ... ولم يعد من شيء يجمع الإخوة أو يفرق أبناء العمومة أكثر من مباراة في الدوري ... وصدق الشاعر المصري الساخر هشام الجخ حين قال: فهل تجمعنا يد الله وتفرقنا يد الفيفا؟
واستحالت فرحة الناس بالكأس تضاهي فرحتهم باستعادة الفردوس المفقود ... واستحالت خيبتهم لضياع البطولة تفوق خيبتهم لفقد القدس!
صارت الكرة كل عرضنا وكل شرفنا ... وحين فقد العربي في ميادين المعارك, وجد المستعرب في الملاعب يمارس كل طقوسه الدينية راكعا وساجدا ومعتكفا ... ومن يدري, لعل ما فشل فيه الدعاة سينجح فيه اللاعبون ... 

في انتظار فكرة!


صحيح أن إسحاق نيوتن كان جالسا تحت شجرة تفاح حين خطر بباله قانون الجاذبية بمجرد سقوط التفاحة على رأسه ... لكن ليست كل الأفكار الثورية تأتي بهذه السهولة, وهي لا تسعى إلى صاحبها وهو متكئ يستظل بعجزه ... فالأفكار الرائدة تنجذب إلى كل من يبحث عنها ...
لذلك ينصح خبراء التنمية البشرية بضرورة أن يأخذ المرء وقته في البحث عن الفكرة الجديدة, ويسجلها, لعلها تكون صالحة للتطبيق ...
ولعل في طريقة الكاتب أنطون تشيكوف أسوة للكثيرين, فقد كان في بداياته يشتري أفكارا جديدة لقصصه القصيرة ممن يعرفهم, ثم يقوم بصياغتها بأسلوبه الساخر المعروف ...
وتجارة الأفكار ليست عيبا, مادامت تحقق لك حلما أو بداية حلم ... المهم ألا تقعد عاطلا في انتظار الفكرة التي ستغير من حالك ...

قلم طيار


ولعي بالأدب الكلاسيكي, قد يجعل حكمي على كتابه مشوبا بالمبالغة ... فالكتابة بالنسبة لي ليست ترفا ولا نزهة قلم على ورق ... هي الإنجاز الإنساني في أبهى حلله ... لذا لطالما اعتقدت أن الكاتب لا يمكن أن يعاني من انفصام الشخصية رغم أنه يتعامل مع شخصيات وحالات متعددة ...
ويحضرني كاتب أثر في كثيرا هو الفرنسي الطيار أنطوان دي سانت أكسبري ... فقد كان إلى جانب موهبته في الكتابة العميقة, من أوائل الطيارين التجريبيين الذين جازفوا بأنفسهم لفتح الملاحة الجوية أمام الطيران البريدي والتجاري ... وشعوره بأهمية هذه التجربة ودوره ودور رفاقه فيها, كتب عنها كثيرا بقلم يقطر دمعا وعرقا ... قلم انفصل عن المصطلحات التقنية والآلة ليتلبس حلة وجدانية تثير الدهشة وتجذبك إلى كل حرف: الطيران بالليل, أرض الرجال ... والأمير الصغير ... ولم يكن يدري وهو يكتب عن مآسي رفاقه الذين ضاعوا بين الغيوم ... أنه يسطر مأساته هو حين اختفى بطائرته دون عودة ...